المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم التحالف مع الأحزاب العلمانية


سياسي محنك
02-05-2009, 08:18 PM
مدى شرعية التحالفات المرحلية مع بعض الاتجاهات العلمانية

د.صلاح الصاوي (http://www.shareah.com/index.php?/authors/view/id/326/s/1/)
3 - 2 - 2009




الحلف في اللغة: هو العهد يكون بين القوم، ولا يخرج مدلوله الشرعي عن هذا المعنى، فهو المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتعاون والاتفاق. ولقد وردت بعض النصوص الشرعية في النهي عن التحالف في الإسلام نذكر منها:

قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة) [رواه مسلم، (6628)]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده - يعني الإسلام - إلا شدة، ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام) [رواه الترمذي، (1681)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (1585)].
وقوله صلى الله عليه وسلم عام الفتح عندما قام في الناس خطيبًا وقال: (يا أيها الناس، إن ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا حلف في الإسلام، والمسلمون يدهم على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، ترد سراياهم على قعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، دية الكافر نصف دية المسلم، لا جلب ولا جنب، ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم) [رواه أحمد، (2/180)، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، (3496)]، وفي رواية عند أحمد: (أوفوا بحلف الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام) [رواه أحمد، (7118)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير، (2553)].
ويقابل هذه النصوص ما رواه البخاري عن عاصم الأحول قال: قلت لأنس بن مالك: (أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حلف في الإسلام؟)، فقال قد حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داري) وفي رواية مسلم: (فقال أنس: قد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داره)، وقد عقد البخاري بابًا في الصحيح فقال باب الإخاء والحلف [راجع: فتح الباري، (10/501)].
وجمع أهل العلم بين هذه النصوص بأن الحلف المنهي عنه: هو الحلف على ما منع منه الشرع، كالذي كانوا يعتبرونه في الجاهلية من نصر الحليف ولو كان ظالمًا، ومن أخذ الثأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها، ومن الثورات ونحوه، وأما ما كان من هذه الأحلاف على نصر المظلوم، والقيام في أمر الدين، والتعاون على البر والتقوى، وإقامة الحق والعدل؛ فهذا باق لم ينسخ.
وقال النووي رحمه الله: (قال القاضي: قال الطبري: لا يجوز الحلف اليوم، فإن المذكور في الحديث والموارثة به وبالمؤاخاة كله منسوخ؛ لقوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب: 6]، وقال الحسن: كان التوارث بالحلف فنسخ بآية المواريث، قلت: أما ما يتعلق بالإرث فيستحب فيه المخالفة عند جماهير العلماء، وأما المؤاخاة في الإسلام، والمحالفة على طاعة الله، والتناصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى، وإقامة الحق، فهذا باقٍ لم ينسخ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث: (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (لا حلف في الإسلام)، فالمراد به حلف التوارث، والحلف على ما منع الشرع منه، والله أعلم) [صحيح مسلم بشرح النووي، (16/81-82)].
ويقول ابن حجر في الفتح: (وتضمن جواب أنس إنكار صدر الحديث؛ لأن فيه نفي الحلف وفيما قاله هو إثباته، ويمكن الجمع بأن المنفي ما كانوا يعتبرونه في الجاهلية من نصر الحليف ولو كان ظالمًا، ومن أخذ الثأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها، ومن التوارث ونحو ذلك، والمثبت ما عدا ذلك من نصر المظلوم، والقيام في أمور الدين، ونحو ذلك من المستحبات الشرعية كالمصادقة والموادّة وحفظ العهد) [فتح الباري: 10/502].
وقال ابن الأثير رحمه الله: (أصل الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد، والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن، والقتال بين القبائل، والغارات، فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا حلف في الإسلام)، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم، وصلة الأرحام كحلف المطيبين، وما جرى مجراه؛ فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: (وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)، يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام، وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا حلف في الإسلام) قاله زمن الفتح؛ فكان ناسخًا) [النهاية في غريب الأثر (1/1031)].
وإن كان الأصل هو قطع الموالاة والمودة مع كل من لا يقبلون بسيادة الشريعة، والالتزام المطلق بأحكامها جملة وعلى الغيب، وأنه لا يحل من ذلك خلا القدر الذي يحقق تأليفهم في مرحة الدعوة والبلاغ، أما ما وراء ذلك فقد قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].
ولكن المصلحة قد تقتضي في مرحلة الإصلاحات الجزئية التنسيق المرحلي مع بعض الاتجاهات العلمانية المعتدلة؛ لإمضاء أمر هو محل قبول من الناس كافة، فقد يعوز العمل الإسلامي في بلد من البلاد إلغاء الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ؛ وهو مطلب جماهيري عامٌّ، فلا حرج عليه في هذه الحالة أن يجيش لنصرة هذا المطلب الاتجاهات الدينية والعلمانية كافة، ويكون عمله هذا من جنس حلف الفضول، وسائر الأحلاف المشروعة التي تكون على نصر المظلوم، والضرب على يد الظالم، وإشاعة العدل والتناصف ونحوه، ومثل هذا في محل الاجتهاد، والأمر فيه واسع، وقد سبقت مقالة ابن الأثير والنووي في جوازه، والتفريق بينه وبين الأحلاف الممنوعة التي تكون على الفتن والقتال وما منع منه الشرع.
وبهذا التفصيل نستطيع أن نفرق فيما قد تقتضيه الظروف المعاصرة من التحالفات المرحلية مع بعض الاتجاهات العلمانية، تحقيقًا لبعض المصالح العامة، أو دفعًا لبعض المفاسد فنقول:
- ما كان من هذه التحالفات، على تحقيق أمر مشروع التقت مصلحة الجميع في تحقيقه كدفع صائل، أو إخراج عدو داهم بلاد المسلمين فجأة فاستباح بيضتهم، أو بصدد أن يفعل ذلك، ولم يتضمن التزامًا على الاتجاه الإسلامي يغل يده عن تبليغ دعوته، أو إقامة دينه؛ فالأصل في هذا التحالف هو الإباحة، ويبقى النظر بعد ذلك في دراسة جدواه، ومدى ما يمكن أن يحققه من مصلحة أو يدفعه من مفسدة، وفي ضوء نتيجة هذه الموازنة تكون الفتوى لصالح هذا التحالف أو ضده، فهو إذن على هذا النحو مما يدور في فلك السياسة الشرعية، وتتقرر شرعيته في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، والعبرة فيه لما غلب.
- أما ما كان منه على أمر غير مشروع، أو تضمن التزامًا يضر بالمسلمين، أو يغل يد الدعاة عن الصدع بالحق وإقامة الدين، فهذا هو التحالف الممنوع الذي تظاهرت النصوص الجزئية والقواعد الكلية على رده.
ولهذا لما أراد بنو عامر بن صعصعة أن يبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يجعل لهم الأمر من بعده؛ أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء)، وأبى عليهم ذلك: فقد روى ابن إسحاق في السيرة: ( ... وأنه أتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك؛ أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: (الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء)، فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه) [السيرة النبوية، لابن هشام، (1/422-425)].
والخلاصة أن مشروعية التحالفات مع الاتجاهات العلمانية في هذه المرحلة مشروطة بأمرين:
الأول: أن تكون على أمر مشروع من مصلحة تستجلب، أو مفسدة تستدفع، شريطة أن يتم تقدير هذه المصالح والمفاسد بميزان الشريعة.
الثاني: ألا تتضمن التزامًا يضر بالرسالة التي انتصب الاتجاه الإسلامي لإبلاغها إلى العالمين.
.................................................. .
المصادر:
1. التعددية السياسية للدكتور صلاح الصاوي.
2. الثوابت والمتغيرات للدكتور صلاح الصاوي.

منقول من موقع لواء الشريعة